أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
26
شرح مقامات الحريري
فالحجّ إن حجّت وما ذا منى * وأهله إن هي لم تحجج ! فما استطاعت غير أن أومأت * نحوي بعيني شادن أدعج وقال أيضا : [ الكامل ] باتا بأنعم ليلة حتّى بدا * صبح يلوّح كالأغرّ الأشقر « 1 » فتلازما عند الفراق صبابة * أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر فلمّا شاع نسيبه بها قبض عليه ابنها محمد عند ولايته الحجاز ، بسبب طلبة عليه ، فضربه بالسياط وألقى الزّيت على رأسه ، وأوقفه للناس في الشمس ، حتى غشي عليه ، وسجنه بضع سنين حتى مات في سجنه ، فقال في السجن : [ الوافر ] أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر « 2 » وخلّوني ومعترك المنايا * وقد شرعت أسنّتهم لنحري كأنّي لم أكن فيهم وسيطا * ولم تك نسبتي في آل عمرو أجرّر في المجامع كلّ يوم * فيا للّه مظلمتي وقسري ! عسى الملك المجيب لمن دعاه * ينجيني ويعلم كيف شكري فأجزي بالكرامة أهل ودّي * وأجزي بالعداوة أهل وتري فلما أفضت الخلافة إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، قبض على محمد بن هشام وأخيه إبراهيم ودعا لهم بالسّياط ، فقال له محمد : أسألك بالقرابة ! قال : وأيّ قرابة بيني وبينك ؟ قال : فأسألك بصهر عبد الملك ! فقال : لم تحفظه ، فقال : يا أمير المؤمنين إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى أن يضرب قرشيّ إلا في حدّ ، فقال : ففي حدّ أضربك وقود ، قال : وما ذاك ؟ قال : أنت أوّل من سنّ ذلك على العرجي وهو ابن عمي وابن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، فما رعيت [ حقّ ] جدّه ولا نسبه بهشام من قبل أمّه ، اضربهما يا غلام ، فضربهما ضربا مبرّحا ، وأثقلا بالحديد ووجّه بهما إلى يوسف بن عمر ، وأمره بتعذيبهما ، فضربهما حتى ماتا . وغنى إسحاق الموصلي الرشيد قوله : [ الوافر ] * أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا * فسأل عن سبب هذا الشعر ، فأخبره بحديث العرجي ، قال إسحاق : فرأيته يتغيّظ ، فلما أخبرته بما فعل بابني هشام ، جعل وجهه يسفر وغيظه يسكن ، ثم قال : يا إسحاق ، لولا ما حدّثتني به من فعل الوليد ، لما تركت أحدا من أماثل بني مخزوم إلا قتلته بالعرجيّ .
--> ( 1 ) ديوان العرجي ص 178 . ( 2 ) ديوان العرجي ص 34 .